
لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسَةَ في هذا المَساء على رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الرَّابع إذْ نُتابِعُ دراسَتَنا لرسالة بُطرس الأولى. فقد انقَضَتْ بِضعةُ أسابيع قبلَ أنْ تُتاحَ لَنا فُرصَةُ العَودة إلى دِراسَتِنا هذه بسببِ كُلِّ أنشطةِ مَوسِمِ العُطلة. ثُمَّ إنَّنا سَنَعْقِدُ مُؤتَمَرَنا الإرسالِيَّ فنتوقَّفُ أُسبوعَيْنِ آخَرَيْن قبلَ أنْ نَعودَ ثانيةً. ولكِنَّنا نُريدُ أن نَنتقلَ الآنَ إلى رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الرَّابع للتَّأمُّلِ في المَقطَعِ التَّالي الَّذي يَعْنينا وَهُوَ يَضُمُّ الآيات مِن 12 إلى 19. رسالة بُطرس الأولى 4: 12-19. واسمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُم تَمهيدًا لهذا النَّصّ لكي تَتَكَوَّنَ لديكُم صُورة عَمَّا يَكتُبُهُ بُطرس هنا وَعَنْ سَبَبِ قَولِهِ لِمَا يَقول. ولَن أُطيلَ عليكُم:
في التَّاسِع عَشَر مِن شهر تَمُّوز/يوليو سنة 64 ميلاديَّة، احتَرَقَتْ رُوما فيما كانَ "نيرون" (Nero) يَعْبَث. فهذه حَادِثَة مَشهورة في التَّاريخ. فالجَميعُ يَذكُرُ أنَّ رُوما كانَتْ تَحتَرِق وأنَّ نيرون كانَ يَعبَث. ولكِنَّ ذلكَ الأمرَ تَرَكَ تأثيرًا كبيرًا على كِتابةِ هذه الرِّسالة. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم خَلفيَّة صغيرة. فقد احترقَت أشهرُ مَدينةٍ في العالمِ القَديمِ في ذلكَ الوقت بِنارٍ هائلة. فقد كانت رُوما مَدينةً شَوارِعُها ضَيِّقة جِدًّا. وكانت مَدينةً مَعروفةً بمَبانيها الخَشبيَّة العَالية. فقد بَنَوْا ما يُشبِهُ الشُّقَقَ السَّكنِيَّةَ مِنَ الأخشاب. وكانتِ الشُّقَقُ مُتلاصِقَة. لِذا فقد انتشرتِ النَّارُ سَريعُا. ومعَ أنَّها ابتدأتْ في ذلكَ اليوم فإنَّها استمرَّتْ ثلاثةَ أيَّامٍ وثلاث لَيالٍ. وقد اندَلَعَتْ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة بالرَّغمِ مِن أنَّهُم حاوَلوا إخمادَها. وقد كانَ الرُّومانَ يَعتقدونَ حَقًّا أنَّ نِيرون هو المَسؤولُ عن إحراقِ مَدينَتِهم العَظيمة ومَنازِلِهم. لماذا؟ لأنَّ نيرون كانَ شَغوفًا جِدًّا بِمَشاريعِ البِناء. وقد كانَ يُريدُ أنْ يَبني مَدينةً جديدة. لِذا فقد كانوا يَعتقدونَ أنَّهُ أَحرَقَ المَدينةَ القديمة. وقد وَقَفَ في "بُرجِ مَسينيس" (The Tower of Messines) وَراحَ يُراقبُ بابتهاجٍ المَدينةَ وهي تَحترق تَمامًا. والحقيقة هي أنَّهُ يُقال إنَّهُ كانَ مُوْلَعًا بِمُشاهدةِ أَلسِنَةِ اللَّهَب. والنَّاسُ الَّذينَ أَطفأوا النَّارَ (أوْ حاولوا أنْ يُطفِئوا النَّارَ) وَاجَهوا مُقاومةً مِن جُنودِهِ فاشتعلَت النِّيرانُ مِنْ جَديد. وقد دُمِّرَتْ حَياةُ النَّاسِ تَمامًا إذْ خَسِروا كُلَّ شيء.
فَمَعبدُ لُونا (The Temple of Luna)، وَ "آرا ماكسيما" (Ara Maxima)، وَ "المَذبح العَظيم" (The Great Altar)، وَ "مَعبد جوبيتر" (The Temple of Jupiter)، وَ "مَعبد فيستا" (The Shrine of Vesta)، وَمنازِلُ النَّاسِ، وَأثاثُهُم المَنزِلِيُّ، وَكُلُّ شَيءٍ قد احترقَ فَصاروا بِلا مَأوى. ولا شَكَّ في أنَّ الاستياءَ كانَ شَديدًا جِدًّا. وقد كانتِ المَرارَةُ عَميقةً وَقاتلةً. لِذا فقد كانَ نِيرون بحاجة إلى إبعادِ الأنظارِ عن نَفسِه. فقد كانَ بِحاجةٍ إلى كَبْشِ فِداء. لِذا فقدِ اختارَ كَبْشَ فِداء وَهُوَ: المَسيحِيِّين. فقد اتَّهَمَ المَسيحيِّينَ عَلَنًا بإحراق رُوما. وقد كانت، في الحقيقة، مَكيدَةً خَبيثةً مِنهُ لأنَّ المَسيحيِّينَ كانوا في الأصل ضَحايا الكَراهِيَة والافتراءاتِ الزَّائفة. وقد كانوا مُقتَرِنينَ (في أذهانِ أغلبيَّةِ النَّاسِ) باليهودِ الَّذينَ تَفَرَّقوا في الشَّتات. وحيثُ إنَّهُ كانَ هُناكَ عِداءٌ ضِدَّ السَّامِيَّة، كانَ مِنَ السَّهلِ أنْ يَكونَ هُناكِ عِداءٌ ضِدَّ المَسيحيِّينَ أيضًا. وكانَ عَشاءُ الرَّبِّ الَّذي يُمارِسُهُ المَسيحيُّونَ قَريبًا مِنَ الفِكرِ الوَثَنِيِّ. لِذا، فقد راحُوا يُمْعِنونَ فِكْرَهُم ويَتَخَيَّلونَ كُلَّ ما قد يَخْطُرُ على البَال بِخُصوصِ ما حَدَث. وَكانوا قد سَمِعوا أنَّ هؤلاءِ المَسيحيِّينَ يَأكلونَ جَسَدًا بَشَرِيًّا وَيَشربونَ دَمًا بَشَرِيًّا فاتَّهَموهُم بأنَّهُم أَكَلَة لُحوم بَشَر. والحقيقة هي أنَّهُم كانوا يُرَوِّجونَ أنَّهُم يأكُلونَ الأطفالَ والأُمَمَ في عَشاءِ الرَّبّ. وقد قالوا أيضًا إنَّ قُبلةَ المَحَبَّة الَّتي يُمارِسُها المَسيحيِّونَ في وَلائِمِ المَحَبَّةِ كانت بُرهانًا على هذه الشَّهوة والعَربَدَة الجامِحَة الَّتي تُسَمَّى "عَشاء الرَّبّ".
ولم يَكُنِ المَسيحيُّونَ يَتمتَّعونَ بِشَعبيَّة كبيرة لأنَّهُمْ فَسَخُوا العَائلات. فعندما يَصيرُ المَرءُ مَسيحيًّا مِنْ دونِ زَوجَتِه، كانَ ذلكَ شَرْخًا وَاضِحًا. وكانَ الشَّيءُ نَفسُهُ يَحدُثُ إنْ حَدَثَ العَكسُ أيضًا. وكانَ المَسيحيُّونَ يَتحدَّثونَ دائمًا عنِ الوقتِ الَّذي سَيَنْحَلُّ فيهِ العَالَمُ مُحتَرِقًا. لِذا، كانَ مِنَ السَّهْلِ أنْ يُتَّهَمُوا بإضرامِ هذهِ النَّارِ مِن مُنطَلَقِ أنَّهُمْ يُحاولونَ تَتميمَ نُبُوَّتِهِم تلك. ويُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ كانَ يُوجدُ في رُوما بعضُ القُضاةِ النَّزيهينَ والمُستعِدِّينَ لإبراءِ المَسيحيِّينِ مِنْ هذه التُّهمة البَاطِلَة، فإنَّ هُناكَ مَنْ أَرْغَمَ هؤلاءِ القُضاةَ على الصَّمْتِ وَتَجاهَلَهُم. وقد كانَ المَسيحيُّونَ يُتَّهَمونَ دائمًا بأنَّهُم مُثيرونَ للاضطرابات، وبأنَّهُم ثائرونَ على السُّلطة، وبأنَّهُم يُبغِضونَ المُجتمعَ المُتَحَضِّر. وقد كانَ ذلكَ سَبَبًا كافيًا لابتداءِ عَداوَةٍ ضِدَّهُمْ تَطَوَّرَتْ لاحِقًا إلى اضْطِهادٍ بَشِع. وإنْ نَظرتُم إلى الفَترةِ الَّتي أَعقَبَتْ زَمَنَ نيرون، وتَحديدًا إلى عَهْدِ "دومتيان" (Domitian)، و "تراجان" (Trajan)، وغيرِهِما مِن أباطِرةِ رُوما، سَتَجدونَ أنَّ ما ابتدأَ هُنا ككَراهِيَة مَبدئيَّة للمسيحيِّينَ صَارَ سِياسَةً ثابتة. وقد صارَت مَسألةُ ما إذا كانَ الشَّخصُ مَسيحيًّا أَهَمَّ جُزءٍ مِن أيِّ تُهمة ضِدَّهُ. وبسببِ هذهِ التُّهمة، ابتدأَ الاضطهاد. وقد كَتَبَ المُؤرِّخُ الرُّومانِيُّ "تاسيتوس" (Tacitus) أنَّ نيرون كانَ يَغْمِسُ المَسيحيِّينَ في القَارِ أوِ الزِّيتِ ثُمَّ يُشْعِلُ النَّارَ فيهم وَهُمْ أحياء، وأنَّهُ كانَ يَستخدِمُهم مَشاعِلَ بَشريَّة لإنارةِ حَفلاتِهِ الَّتي يُقيمُها في حَديقةِ قَصرِه، وأنَّهُ كانَ يُلْبِسُهُمْ جُلودَ حَيَواناتٍ بَرِيَّة ويُقَدِّمُهُم إلى كِلابِ الصَّيدِ خَاصَّتِهِ فَيُقَطِّعوهُم أَشْلاءً، وأنَّهُ كانَ يُسَمِّرُهُم على صُلبانٍ، إلخ، إلخ.
وكانَ المسيحيُّونَ يَموتونَ وَهُمْ يَهْذونَ بسببِ التَّعذيبِ الوَحشِيِّ في ذلكَ الوقت. وحَتَّى إنَّ الإعدامِ مِن دونِ مُحاكمةٍ صارَ شائعًا جِدًّا. وفي غُضونِ سَنواتٍ قليلة، تَعَرَّضَ المسيحيُّونَ للسِّجن، والتَّعذيبِ بالمِخلَعَة، والقَلي بالزَّيت، والغَلي، والحَرْق، والجَلْد، والرَّجم، والشَّنق. وقد عُذِّبَ بَعضٌ مِنهُم بواسطةِ تَمزيقِ أجسادِهم بِسَكاكين ساخِنة أو بِطَرحِهِم فوقَ قُرونِ ثِيرانٍ بَرِّيَّة. وقد كَتَبَ الدُّكتور "إتش.بي. ووركمان" (HB Workman) في فَصْلٍ بِعُنوان: "قَيصَر أَمِ المَسيح" (Caesar or Christ) في كِتابٍ مُدهشٍ جِدًّا لَهُ بِعُنوان: "الاضطهاد في الكنيسة الباكِرة" (Persecution in the Early Church): "طَوالَ مِئَتَيْ سَنَة ابتِداءً مِن نيرون فَصاعِدًا، كانَ القادَةُ المَسيحيُّونَ يُتَّهمونَ بأنَّهُم أضدادُ المسيح، وبأنَّهُم مُلحِدون. وقد كُرِهُوا لهذا السَّبب. وطَوالَ مِئَتَيْ سَنَة، كانَ اعتِرافُكَ بأنَّكَ مَسيحيٌّ يَعني أنْ تَتَخَلَّى عن دِيانَتِكَ الأولى، وأنْ تَنْضَمَّ إلى جَماعةِ المُحتَقَرينَ والمُضطَهدين، وأنْ تَسبَحَ عَكسَ التَّيَّارِ السَّائد، وأنْ تَصيرَ تَحتَ لَعنةِ الإمبراطور، وأنْ تَصيرَ مُعَرَّضًا في أيِّ لَحظةٍ للسّجن والموتِ بأبشَعِ صُورِهِما. وطَوالَ مِئَتَيْ سَنة، كانَ ينبغي للشَّخصِ الَّذي يَتبعُ المسيح أنْ يَحسِبَ الكُلْفَة وأنْ يَكونَ مُستعِدًّا لِدفعِها على حِسابِ حُرِّيَّتِه وحَياتِه. وطَوالَ مِئَتَيْ سَنة، كانَ مُجَرَّدُ الاعترافُ بالمسيحيَّة جَريمةً في حَدِّ ذاتِه. وكانَتْ العِبارة "أنا مَسيحيّ" هي البَيِّنَة الوحيدة الَّتي لا تُغفَر. فقد كانت تَحوي في ذاتِها كُلَّ ما يَلزم لإدانةِ الشَّخص لأنَّ الاسمَ في حَدِّ ذاتِهِ في الأوقاتِ العَصيبةِ (الَّتي لم تَكُن قليلة) كانَ يَعني تَعذيبَ ذلكَ الشَّخص بالمِخلَعَة، أو إضْرامَ النَّارِ فيهِ بعدَ غَمْرِهِ بالقَار، أو طَرْحَهُ لأسَدٍ أوْ نَمِرٍ، أو في حالةِ السَّيِّداتِ: أنْ تَحْمِلَ وَصْمَةَ عَارٍ أَسوأ مِنَ الموت" (نِهايةُ الاقتباس).
والآن، إنَّ الشَّيءَ المُدهشَ بِخُصوصِ ذلك فيما يَختصُّ برسالة بُطرس الأولى هو أنَّهُ بحسبِ أفضلِ المَراجِعِ الَّتي يُمكِنُنا العُثورُ عليها، فإنَّ هذه الرَّسالة كُتِبَتْ على الأرجَح بعدَ أنِ ابتدأَ كُلُّ ذلكَ الاضطهاد؛ أيْ في نحوِ نِهايةِ نفسِ تلكَ السَّنة (أيْ 64 ميلاديَّة). لِذا، فقد كُتِبَت على الأرجَح في وقتٍ كانَ فيهِ المَسيحيُّونَ يَختبرونَ بِدايةَ أهوالِ اضطهادٍ سيدومُ نَحْوَ مِئَتَيْ سَنَة. وعندما نَنظُر إلى العدد 12 (الذي أُريدُكم أنْ تَنظروا إليه) فإنَّنا لا نُصْدَم حينَ نَقرأ كلماتِ بُطرس: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ". والآن، إذْ نَتأمَّلُ هذا النَّصَّ، فإنَّ بُطرسَ سيَجذِبُ انتباهَهُم إلى الفِكرة المُتَكَرِّرة في هذه الرِّسالة وهي: "تَجاوُبُ المُؤمِنِ معَ الألم". تَجاوُبُ المُؤمِنِ معَ الألم. وَهُوَ يُقَدِّمُ لهم أربعَ سِماتٍ رَئيسيَّة في التَّجاوُبِ الصَّحيح. وإنْ فَهِمْنا هذه السِّمات، فإنَّها ستُساعِدُنا كثيرًا في التَّعامُلِ معَ الألمِ مِنْ أجلِ البِرّ في حَياتِنا الشخصيَّة.
فبُطرسُ يَقولُ لهم بصورة رئيسيَّة: "هُناكَ أربعة أشياءٍ ضَروريَّة إنْ أردتُم أنْ تُحَقِّقوا النُّصرة في البَلوى المُحرِقَة: أوَّلاً، تَوَقَّعوها. ثانيًا، افَرحوا فيها. ثالثًا، قَيِّموا سَبَبَها. رابعًا، استَودِعوا أنفُسَكُمْ لَدى اللهِ. تَوَقَّعوها، وافرَحوا فيها، وقَيِّمُوا سَبَبَها، واستَودِعوا أنفُسَكُمْ لَدى اللهِ. وهذه تُلَخِّصُ كُلَّ التَّعليماتِ الواردة في هذه الرِّسالة فيما يَختصُّ بالألم. وقد قِيلَ الكَثيرُ عن ذلكَ للتَّوّ.
ولننطَلِق ونَتحدَّث عنِ النُّقطةِ الأولى، وهي مَذكورة في العدد 12: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ". والمقصودُ هُنا هو أنْ تَتوقَّعوا الألم. تَوَقُّعوه، ولا تَتفاجَأوا بِهِ، ولا تُفَكِّروا بِأنَّهُ شيءٌ غَريب. تَوَقَّعوه. فَبُطرس يَقولُ بِصورة مُتَكَرِّرة في هذه الرِّسالة بأسرِها إنَّ الاضطهادَ الَّذي سيَأتي على المؤمِنِ بأشكالٍ مُختلِفَة هُوَ أمرٌ مَحْتومٌ. فهو أمرٌ مَحتوم. والحقيقةُ هي أنَّ المُفاجأةَ هي أنْ لا يكون هُناكَ اضطهاد. "لاَ تَتَعَجَّبُوا" (كما قالَ يُوحَنَّا في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 13) "يَا إِخْوَتِي إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ"، لا تَستغرِبوا. وفي إنجيل يوحنَّا 15 و 16، قالَ يَسوعُ: لَقَدْ أَبغَضوني. وسوفَ يُبغِضونَكُم. وقد كَتَبَ بولسُ إلى تيموثاوس فقال: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُون" (الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 3: 12). لِذا فإنَّ بُطرسَ يُرَدِّدُ، في الحقيقة، صَدَى تَعليماتِ الآخرينَ الَّذينَ كَتَبوا العهدَ الجديد فيقولُ: "لا تَستغرِبوا حينَ يأتي الألم". فعندما نَعيشُ حَياةً تَقِيَّةً في عَالَمٍ بَعيدٍ عنِ اللهِ، وَنَتَصَدَّى للعَالَم، فإنَّنا سَنَصيرُ صَوْتَ الضَّميرِ الَّذي لا يَلقَى تَرحيبًا، بل يَلقى كُلَّ بُغْضَة. وإنْ كُنَّا نُسَمِّي اسْمَ المَسيحِ بِصوتٍ عَالٍ بِالقَدرِ الكَافي، فإنَّنا سَنُتَّهَم بالعِدوانِيَّة. فَحياةُ التَّقوى الَّتي يَعيشُها المُؤمِنُ يُمكِن أنْ تَكونَ وَحْدَها مُهينةً لهذا العَالَمِ الشِّرِّير. وعندما تُضيفُونَ إلى ذلكَ إعلانَ اسْمِ المَسيح، فإنَّنا نَصيرُ أعداءً حَقيقيِّينَ لَهُم. وكَأنَّ بُطرسَ يَقولُ إنَّ الألمَ هو ثَمَنُ التَّلمذة.
وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ يَسوعَ كانَ يَعني ذلكَ حينَ قال: "لن تصيروا مُؤمِنينَ إلَّا بعدَ أنْ تَحْسِبوا النَّفَقَة. وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ أعداءَهُ؟" ولا بُدَّ أنَّكُمْ لَستُم حَمْقَى حَتَّى تَتجاهَلوا حَقيقةَ أنَّكُم حينَ تَصيرونَ مَسيحيِّينَ فإنَّهُ ينبغي لكم أنْ تَحملوا صَليبًا. والصَّليبُ يُشيرُ إلى الألمِ والمُعاناةِ وَحَتَّى الموت. فهُناكَ، بِكُلِّ تأكيد، ثَمَنٌ ينبغي دَفعُه لأنَّكَ إنْ كُنتَ تُسَمِّي اسمَ المسيح فإنَّكَ سَتَصيرُ صَوْتَ الضَّميرِ لهذا العالَمِ الشِّرِّيرِ الَّذي لا يُرَحِّبُ بهذا الضَّمير.
فابتداءً مِنَ الأصحاحِ الأوَّل إلى الجُزءِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ الثَّاني، تَحَدَّثَ بُطرسُ عنِ الألمِ مِن أجلِ خَلاصِنا الثَّمين. ثُمَّ إنَّهُ تَحَدَّثَ [ابتِداءً مِنَ الجُزءِ الأخيرِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني إلى الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ) عنِ الألمِ في وَضْعِنا الحَالِيِّ. والآن، فإنَّهُ يَبتدئُ في التَّحَدُّثِ عنِ الألمِ إلى لَحظةِ اكتمالِ خَلاصِنا. ولكِنَّ الرِّسالةَ كُلَّها هي عنِ الألم. وفي ضَوءِ خَلاصِنا الثَّمين، بِحَسَب ما قالَهُ سابقًا في الرِّسالة، فإنَّ الألمَ لا شَيء. وفي ضَوءِ وَضعِنا الحَالِيِّ، فإنَّ الألمَ مُهِمٌّ جدًّا لأنَّ كَيفيَّةَ تَجاوُبِنا مَعَهُ سَتُحَدِّد مِقدارَ فَاعِلِيَّةِ شَهادَتِنا في الكِرازِة. وفي ضَوءِ المَجيءِ الثَّاني للمسيح وخَلاصِنا النِّهائيّ، فإنَّ ذلكَ الألم لا يُقاسُ (كما يَقولُ بُولُس) بالمَجْدِ العَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. لِذا فإنَّنا نَرى حَتَّى في هذا الجُزءِ مِنَ الرِّسالة أنَّ بُطرس مُهتمٌّ بأنْ نَنظُرَ إلى الألمِ نَظرةً صحيحة.
ولا مَفَرَّ مِنْ أنْ يَتَعَرَّضَ المؤمِنُ الأمينُ لِبعضِ الاضطهاد. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنه. فهو يَتحدَّثُ عنِ التَّألُّمِ مِنْ أجلِ البِرّ، أوْ عنِ التَّألُّمِ بسببِ أنَّكَ مُؤمِن، أوْ عنِ التَّألُّمِ بسببِ أنَّكَ تُسَمِّي اسمَ المسيح. وعندما قَدَّمنا في البداية رسالةَ بُطرس الأولى، قَدَّمْتُ لَكُم لائحةً قصيرة. وَرُبَّما يجب عليَّ، بعدَ هذه الأشهُر الطَّويلة، أنْ أُذَكِّرَكُم بتلكَ اللَّائحة. فهي لائحة بأنواعِ الألمِ الَّتي قد يَتَعَرَّضُ إليها المُؤمنونَ المَسيحيُّون. وهي لائحة مَأخوذة مُباشرةً مِنَ العهدِ الجديد. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 5: 11 و 12 أنَّنا سَنَتعَرَّضُ للتَّعييرِ والطَّرد. ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 4: 4 أنَّنا سَنَسمَعُ كَلامًا شِرِّيرًا يُقالُ علينا. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح العاشِر إنَّ اتِّهاماتٍ باطلةً ستُوَجَّهُ إلينا. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 10: 17 أنَّنا سَنُجلَدُ لأجلِ المسيح. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 10: 14 أنَّنا سَنُرفَضُ مِنَ النَّاس. ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 15: 18-21 أنَّ العالَمَ سَيُبغِضُنا. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 10: 21-36 أنَّ أقارِبَنا سَيُبغِضونَنا. ونَقرأُ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 7: 58 أنَّ بعضًا مِنَّا سَيَنالونَ الشَّهادَة. ونَقرأُ في رسالة يَعقوب والأصحاح الأوَّل أنَّنا سنَتَعَرَّضُ للتَّجربة. ونَقرأُ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 5: 41 أنَّنا سَنُهانُ مِنْ أجلِ المَسيح. ونَقرأُ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 14: 22 أنَّنا سَنَتعرَّض لِضيقاتٍ ومَتاعِبَ كثيرة مِن كُلِّ الأنواع. وتُذَكِّرُنا الأصحاحات 4 و 5 و 12 مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل أنَّ مُؤمِنينَ كثيرينَ سَيُسجَنون. وبحسب ما جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 14: 19 فإنَّ البعضَ قد يُرْجَم. وتُذَكِّرُنا الآيتان 2كورنثوس 11: 24 و 25 أنَّ بعضَ المؤمنينَ تَعَرَّضوا للضَّرب. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 4: 9 أنَّنا سَنَصيرُ مَنْظَرًا للعَالَم. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الرَّابع أنَّ النَّاسَ سَيُسيئونَ فَهْمَنا، وأنَّهُم سَيَفْتَرونُ علينا، وأنَّهُم سيَحتقرونَنا. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 6: 8-10 أنَّنا سَنتعرَّضُ للشَّدائدِ، والضَّروراتِ، والضِّيقاتِ، والاضطراباتِ، والأتعابِ، والأسهارِ، والأصوامِ، والافتراءات. وهذه لائحة صغيرة فقط بأنواعِ الأشياءِ الَّتي يَحتَمِلُها المُؤمِنُ المَسيحيُّ في ثَقافةٍ غير مَسيحيَّة. فَهي الآلامُ الَّتي يَتعرَّضُ إليها المؤمنُ في عَالَمٍ سَاقِط. لِذا، يجب علينا أنْ نَتوقَّعَها.
والآن، لِنَرجِع إلى نَصِّنا. فهو يَبتدئُ بالقول: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ" أو حَرفيًّا: "يا أحِبَّائي". فَهُوَ يَتَحَدَّثُ بِصِفَتِهِ رَاعِيًا حَريصًا على رَعِيَّتِهِ هُنا. ولكِنَّهُ يُمَهِّدُ أيضًا لِمَقطعٍ جديد. وكانَ المَقطعُ الثَّاني في الرِّسالة قدِ ابتدأَ في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 11 بالعِبارة: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ". وَالآن، فإنَّ المَقطعَ الثَّالثِ والأخيرَ يَبتدئُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 12 بالعِبارة نَفسِها: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ". وهي عِبارة تُمَهِّدُ للمَقطعِ الأخير، ولكِنَّها عِبارة رَعَوِيَّة، وعِبارة رَقيقة، وعبارة تَدُلُّ على عَطْف، وَتَدُلُّ على مَشاعِر، وتَدُلُّ على رِعاية. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد 22 أنَّ بُطرسَ تَحَدَّثَ عنِ المحبَّة الصَّادقة للإخوة، ثُمَّ إنَّهُ تَحَدَّثَ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 8 عن حقيقةِ أنَّهُ يجب علينا أنْ نَستمرَّ في مَحَبَّتِنا الحَارَّةِ بَعضُنا لبعض لأنَّ المَحَبَّة تَستُرُ كَثْرَةً مِنَ الخَطايا. وَهُوَ هُنا يُظْهِرُ تلكَ العاطفةَ، وتلكَ المحبَّة الحَارَّة، وتلكَ المحبَّة القويَّة وَهُوَ يُخاطِبُ هؤلاءِ المؤمنينَ بهذهِ العِبارة المُمتلئة نِعمةً. وهي تَذكيرٌ لَهُمْ بأنَّ بُطرسَ يُحِبُّهم. والأَهَمُّ مِن ذلكَ هو أنَّ اللهَ يُحِبُّهم. وهذهِ، يا أصدقائي الأعِزَّاء، وِسادَة مُريحة يُمْكِنُكَ أنْ تُريحَ نَفسَكَ المُتْعَبَة عليها في وَسْطِ الاضطهاد. فأنتَ ما تَزَالُ مَحبوبًا مِنَ الله، وأنتَ ما تَزالُ مَحبوبًا مِنَ أخيكَ المَسيحيّ.
وأنا أَعتقدُ أنَّها كانت تَجربةً في وَسْطِ الألم وفي وَسْطِ الضِّيق. وَمَنْ يَدري إنْ كانَ بعضُ المسيحيِّينَ الَّذينَ يَكتُبُ إليهم بُطرس يُعانونَ تحتَ الحُكْمِ المُتَسَلِّطِ للطَّاغية نيرون. فقد كانَ مِنَ السَّهلِ جِدًّا في مِثلِ هذا الموقفِ أنْ يَشُكَّ هؤلاءِ في مَحَبَّةِ الله. أليسَ كذلك؟ هل تُحِبُّني حَقًّا؟ وهل تَهتمُّ حَقًّا بي؟ إنْ كانَ الأمرُ كذلك، لماذا يَحدُثُ هذا؟ وما أَعنيه هو أنَّكَ سَتَشعُرُ أنَّ اللهَ لا يُحِبُّكَ إنْ كُنتَ تُؤمِنُ بإنجيلِ الرَّخاء. أليسَ كذلك؟ فسوفَ تَتَساءَل إنْ كانَ ما قِيلَ لَكَ صحيح. فإنْ جاءَ شخصٌ إليكَ وقالَ إنَّ يسوعَ يُريدُ أنْ يَمْنَحَكَ الصِّحَّةَ، والثَّراءَ، والرَّخاءَ؛ ولكِنْ ما إنْ تُسَلِّمَ حياتَكَ ليسوعَ المسيحِ حَتَّى تَجِدَ أنَّ هُناكَ شخصًا يَسْكُبُ القَارَ على أبنائِكَ ويَستخدِمُهم مَشاعِلَ في حَفلةٍ يُقيمُها في حَديقَةِ مَنزِلِه! فحينئذٍ قد تَقول: "مَهلاً يا رَبّ! أنتَ لا تَبدو إلهًا مُحِبًّا لي!" فالأحوالُ قد تَجعَلُ الأمرَ يَبدو وكأنَّكَ غير مَحبوب. وفي وَسْطِ اضْطِهادٍ كهذا، سيُحاولُ الشَّيطانُ أنْ يُجَرِّبَكَ كما جَرَّبَ زَوجةَ أيُّوب: "الْعَنِ اللهَ وَمُتْ". أَلا يَكفي مَا حَدَثَ لك؟ لِذا فإنَّ بُطرسَ يُقَدِّمُ لنا هذا التَّذكيرَ الرَّائع: "يا أحبَّائي، أنتُم ما تَزالونَ مَحبوبينَ مِنَ الله، وأنتُم ما تَزالونَ مَحبوبينَ مِنَ الرَّسول. يا أحبَّائي، لا تُصْدَموا".
لا تَستغرِبوا أنَّكُم تَتعرَّضونَ للاضطهاد. ولا تُصْدَموا لأنَّ الحياةَ صَعبة. ولا تَستغرِبوا عندما يَغضَبُ أُناسٌ بسببِ شَهادَتِكُم. ولا تُصْدَموا عندما لا تَنجَحونَ في الحُصولِ على التَّرقيةِ في العَمَل، أو عندما يُظْهِرُ زُملاؤُكَ في العمل عَداوةً مِنْ نَحوِكَ، أو عندما يَسخرونَ مِنكَ، أو عندما لا تَحصُل على ما تَستحِقّ. ولا تَستغرِبوا عندما يُعامِلُكُم جِيرانُكم بازدراء مِنْ دُونِ سَبَبٍ مَفهومٍ لديكم. لا تَستغرِبوا. ولا تُدهَشوا. فيجب على المؤمِنينَ أنْ يَفهموا بِسُهولة أنَّ الألمَ مُرافِقٌ للإيمانِ المسيحيّ. فهو ليسَ أمرًا غريبًا، وليسَ أمرًا عَجيبًا. بل هُوَ جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنه. فالمسيحيَّة لا تَعِدُ البَتَّة بالحَصانَةِ مِنَ الألم. بل إنَّها تَعِدُ ... هل أنتُم مُستَعِدُّونَ لما سأقول؟ بالألَم ... بالألَم.
إذًا، ما نَوعُ رسالةِ الإنجيل الَّتي سَنُقَدِّمُها إنْ كُنَّا لا نُريدُ أنْ نَقولَ إنَّ يَسوعَ يُريدُ أنْ يَجعلكَ سَعيدًا، وَفَرِحًا، وأنْ يُعطيكَ سَلامًا، وأنْ يَحُلَّ كُلَّ مَشاكِلِكَ، وأنْ يَجعلكَ مُزدهرًا وغَنِيًّا وبِصِحَّة جَيِّدة، وَما إلى ذلك؟ فإنْ قُلنا لشخصٍ ما: "أنتَ في حَاجَةٍ مَاسَّةٍ ليسوعَ المسيح كي يُخَلِّصَكَ لأنَّكَ في طَريقِكَ إلى جَهَنَّمَ الأبديَّة. وأنتَ لَديكَ هذا الخِيار: فإمَّا أنْ تُعاني إلى الأبد في جَهَنَّمَ، وإمَّا أنْ تَصيرَ مَسيحيًّا وتُعاني هُنا إلى حِيْن؟" لأنَّ هذهِ هيَ الخُلاصة. وأنا شَخصيًّا لا أَجِدُ أنَّ الخِيارَ صَعبٌ. فأنا أُفَضِّلُ أنْ أَتَألَّمَ قليلاً هُنا على أنْ أَذهبَ إلى جَهَنَّمَ الأبديَّة. ولكِنْ يبدو أنَّ النَّاسَ يُريدونَ أنْ يَعيشوا في وَهْمِ أنَّكَ إذا قَبِلتَ المسيحَ، وإنْ سَمَّيْتَ اسْمَ المسيح، وإنْ خَدَمْتَ الكنيسة، فإنَّ اللهَ سَيُزيلُ عَنْكَ كُلَّ الصُّعوباتِ، وكُلَّ الضِّيقاتِ، وكُلَّ الآلامِ، وَكُلَّ الاضطهادات. ولكِنَّ هذا غير صحيح. هذا غير صحيح. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّهُ كُلَّما زادَت فَاعِلِيَّتُكَ في خِدمةِ اللهِ، وَزادَت أمانَتُكَ للحَقِّ الإلهِيِّ، زادَتِ العَداوَةُ ضِدَّكَ. فأنتَ تَصيرُ بالنِّسبةِ إلى المُؤمِنينَ: رَائِحَةَ حَيَاةٍ لِحَيَاة، وَلِغيرِ المُؤمِنين: رَائِحَةَ مَوْتٍ لِمَوْت.
لِذا، "لا تَستغرِبوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ". والآن، ما مَعنى ذلك؟ إنَّ الكلمة الحَرفيَّة المُستخدمة هُنا هي: "حَريق". وهي نَفسُ الكلمة الَّتي تُستخدَمُ للإشارة إلى الفُرْن. ففي العهدِ القديم، وتَحديدًا: في التَّرجمة السَّبعينيَّة (وهي التَّرجمة اليونانيَّة للنَّصِّ العِبْرِيِّ)، تُستخدَمُ هذه الكلمة بِمَعنى: فُرْن. وفي العهدِ الجديد، تُستخدَمُ الكلمة بِمَعنى "فُرْن" أيضًا. وفي العهدِ القديم، كانت هذه الكلمة تُستخدَم للإشارةِ إلى فُرْنِ الصَّهْرِ الَّذي كانت تُصْهَرُ فيهِ المَعادِنُ لِتَنقِيَتِها مِنَ الشَّوائِب. لِذا فإنَّهُ يَقول: "لا تَستغرِبوا عندما يَضَعُكُمُ اللهُ في الفُرنِ لِتَمحيصِكُم". فالمَزمور 66: 10 (مَثَلاً) يَقول: "لأَنَّكَ جَرَّبْتَنَا يَا اَللهُ. مَحَصْتَنَا كَمَحْصِ الْفِضَّةِ". أنتَ، يا الله، فَعلتَ ذلك. وهذا مَذكورٌ هُنا أيضًا إشارةً إلى الكَرْب، وإشارةً إلى الاضطهاد، وإشارةً إلى الرَّفض الَّذي يَسْمَحُ اللهُ بِهِ لِغَرضِ التَّطهيرِ والتَّنقية. وعَودة إلى رسالة بُطرس الأولى، انظُروا قليلاً إلى العَدَدَيْن 6 و 7 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل لأنَّنا نَجِدُ هُنا نَفسَ الفِكرة. فالعدد 6 يَقول: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُون"؛ أيْ: بالخَلاصِ الأبديِّ الَّذي سيأتي. فأنتُم تَبتهجونَ بِهِ "مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". إذًا، فإنَّهُ يَقول: "انظُروا! أنتُم مُستَعِدُّونَ لاحتمالِ بعضِ التَّجاربِ هُنا لأنَّكُم تَعلمونَ أنَّها سَتُثْبِتُ صِدْقَ إيمانِكُم الَّذي سَيُكافَأُ عندَ استعلان يَسوعَ المسيح".
لِذا فإنَّ البَلوى المُحْرِقَة هُنا ليست أيَّ مُشكلة، بل إنَّها تُشيرُ إلى الاضطهادِ بسببِ إيمانِكَ، والاضطهادِ بسببِ البِرّ، والاضطهادِ بسببِ انتمائِكَ إلى يَسوعَ المسيح. ولكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَسمحُ بذلك. فنحنُ نَقرأُ في العدد 12: "الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ لأَجْلِ [ماذا؟] امْتِحَانِكُمْ". فاللهُ يَسمحُ بِهذهِ البَلْوَى لأنَّها تُبَرْهِنُ على صِدْقِ مَسيحِيَّتِكُم. هل تَذكرونَ المَثَلَ الَّذي قَالَهُ رَبُّنا يَسوع، مَثَلَ الزَّارِع؟ وهل تَذكرونَ أنَّ هُناكَ بُذورًا سَقَطَتْ على الأماكِنِ المُحْجِرَة؟ فقد سَقَطَتْ في التُّربة. وفجأةً، ظَهَرَتْ نَبْتَةٌ مِنَ الأرض. ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّهُ كانت هُناكَ صُخورٌ أسفلَ التُّربة، وإنَّ الجُذورَ لم تتمكَّن مِنَ اختراقِها للحُصولِ على الماء. وعندما أَشرقتِ الشَّمسُ احترقت تلكَ النَّبتَة وَجَفَّتْ. فهي لم تُعْطِ ثَمَرًا. وقد كانَ رَبُّنا يَصِفُ الشَّخصَ الَّذي يَحمِلُ رسالةَ الإنجيل، ويُظْهِرُ تَجاوُبًا عَاطِفِيًّا، ويُظْهِرُ تَجاوُبًا خارجيًّا عاطفيًّا. ولكِنْ لأنَّ التُّربةَ في قلبِه لم تُحْرَثْ حَقًّا، عندما تأتي التَّجربة فإنَّهُ لا يَصْمُد.
إذًا، هذا هو تَمامًا ما يَقولُهُ بُطرُس. فالألمُ لأجلِ المسيح يُظْهِرُ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّين. أليسَ كذلك؟ فالأشخاصُ الزَّائفونَ لن يَصْمُدوا. لِذا فقد قُلنا دائمًا وعَلى مَرِّ السِّنين إنَّ الكنيسةَ المُضطَهَدة هي كنيسة طَاهِرَة. لِذا فإنَّنا نُبالي بِروسيا وأوروبَّا الشَّرقيَّة بعدَ أنْ تَصيرَ مُنْفَتِحَة. فَحالَما تَصيرُ مُنفَتِحَةً، ولا يَعودُ هُناكَ ثَمَنٌ باهِظٌ للإيمانِ المسيحيّ، لن تَعْلَمَ مَنْ هُوَ المؤمِنُ الحقيقيّ. أليسَ كذلك؟ وهذا يُشبِهُ الحَالَ في الولاياتِ المُتَّحِدة الأمريكيَّة. وقد أخبَرَني رَاعي كنيسة في رُوسيا بذلكَ مَساءَ يَومِ أَحَد قبلَ وقتٍ ليسَ طَويلاً. فقد قُلتُ: "لا بُدَّ أنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ في رُوسيا أنْ يَرْعى الخادِمُ كَنيسَةً". فقال: "لا! بل لا بُدَّ أنَّ الأمرَ صَعبٌ في أمريكا. ففي رُوسيا، نحنُ نَعلمُ مَنْ هُمُ المَسيحيُّونَ الحقيقيُّون". لِذا، فإنَّ البَلوى المُحْرِقَة تَحْدُثُ لأجلِ امْتِحانِكُم. وهذه سِمَة مُهِمَّة لِعَملِ اللهِ فيكُم مِنْ أجلِ تَمْحيصِكُم، وَتَنْقِيَتِكُم، وتَطهيرِكُم.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "تَوَقَّعوا ذلك. ولا تَتعامَلوا مَعَها كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ". والفِعْل: "أَصابَكُم" هُوَ فِعْلٌ مُدهِش: "سومباينو" (sumbaino) وَمَعْناهُ: "يَحْدُثُ صُدْفَةً". فلا تَظُنُّوا أنَّهُ عندما تُضْطَهَدونَ فإنَّهُ شَيءٌ حَدَثَ صُدْفَةً. لا، بل إنَّ اللهَ هو الَّذي سَمَحَ بذلك وَصَمَّمَ ذلكَ لأجلِ امتِحانِكُم، وَتَمْحيصِكُم، وَتَنقيَتِكُم، وتَطهيرِكُم. فأوَّلاً، إنَّ تلكَ البَلْوى تُبَرهِنُ على ما إذا كُنتُم مُؤمِنينَ حَقيقيِّين. ثُمَّ إنَّها تُزيلُ الشَّوائِبَ مِن حَياتِكُم. فالاضطهادُ، والبَلوى، والألم هي ليست أمورًا تَحْدُثُ صُدفَةً، ولا هي تَتَعارَضُ مَعَ خُطَّةِ الله. بل إنَّها صَحيحة وَفقًا لِخُطَّةِ الله، وينبغي أنْ تَكونَ شَيئًا مألوفًا لدى جَميعِ المُؤمِنين. فهي أمورٌ ينبغي أنْ تكونَ مألوفةً لجميعِ المؤمنينَ الحقيقيِّين.
لِذا فإنَّ الشَّيءً الأوَّلَ الَّذي ينبغي أنْ نَفعلَهُ للتَّعامُلِ مَعَ الاضطهاد هُوَ أنْ تَتَوَقَّعوه. تَوَقَّعوه. وأنا أقولُ لكم إنَّ ذلكَ يُساعِد كثيرًا. فأنا أَتَوَقَّعُهُ. وأنا أُواجِهُ استياءً كبيرًا. وأُواجِهُ رَفضًا شديدًا، وعَداوةً كثيرةً لي. فليسَ مِنَ السَّهلِ أنْ تُذاعَ عِظاتُكَ في جَميعِ أنحاءِ أمريكا طَوالَ الوقت. لِذا فإنَّنا نَحصُلُ على رُدودِ فِعْلٍ كثيرة. وأنا أتوقَّعُ ذلك. وَتَوَقُّعي يُساعِدُني في العُثورِ على نِطاقِ رَاحَتي. فعندما يأتي شخصٌ ويَقول: "هل تعلمُ ما قالوهُ عنكَ فُلان وَفُلان؟". "لا، ولكنِّي أتوقَّعُ ذلك. قُل لي: ماذا قالوا عَنِّي؟" ولكِنَّ ذلكَ لا يَصْدمُني. فإنْ كُنتَ تَتوقَّعُ ذلك، يُمكِنُكَ أنْ تَمْتَصَّ تأثيرَ الصَّدمةِ الأوَّلِيّ. وهذا جُزءٌ مِن خُطَّةِ الله. فهي الطَّريقةُ الَّتي يَستخدِمُها لإثباتِ صِدْقِ إيمانِكَ، والطَّريقةُ الَّتي يَستخدِمُها لِتَطهيرِ حياتِك. فهي تُزيلُ كُلَّ الكِبرياءِ، وكُلَّ الأنا، والوَهْمِ بالتَّحَكُّمِ في الذَّات، وَالوَهمِ بأنَّكَ تَستطيعُ أنْ تُسيطِرَ على عَالَمِكَ وَعلى رُدودِ فِعلِه. وهي تُعَرِّيكَ وَتَجعَلُكَ مُتَّكِلاً تَمامًا عليه. وهذه عَمليَّة جَيِّدة.
والشَّيءُ الثَّاني الَّذي يُريدُ بُطرسُ أنْ يَقولَهُ لَنا هو أنْ تَفْرَحوا في البَلوى. أنْ تَفرَحوا فيها. فلا يَكفي أنْ نَتَوَقَّعَها، بل عندما تأتي، يجب علينا أنْ نَفرَحَ فيها. لاحِظوا العَدَدَيْن 13 و 14: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ. إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ". والآن، انُظروا وَحَسْب إلى تلكَ الكلمة المذكورة في العدد 13: "افْرَحُوا". فهي تَأتي بصيغةِ المُضارِع إشارةً إلى الاستمرارِ في الفَرَح. وهذا هو المَوقِفُ السَّليمُ في وَسْطِ الاضطهاد. وهذا هو الموقِفُ السَّليم في وَسْطِ الكَرْب، والرَّفض، وأيِّ شيءٍ يَفعلُهُ العالَمُ ضِدَّكُم مِنْ أجلِ البِرِّ ومِنْ أجلِ اسمِ يسوعَ المسيح. فأيُّ شيءٍ مِن هذا القَبيل يَحدُثُ لَكُم ينبغي أنْ يَكونَ سَبَبًا للفَرح. وهل تَذكرونَ كَلماتِ رَبِّنا؟ استمعوا إلى هذه الآيات مِن إنجيل مَتَّى 5: 10-12: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات". فإنْ تَمَّ اضطِهادُكَ مِن أجلِ البِرّ فإنَّهُ دَليلٌ على أنَّكَ تَنتمي إلى مَلكوتِ السَّماء. "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا". وهذه كلمات غريبة. أليسَ كذلك؟ "افْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ". فأنتُم بِرِفقة جَيِّدة.
إذًا، افرَحوا فيها. فيجب عليكم أنْ تَستمرُّوا في الفَرَحِ فيها. وقد تقول: "وما الحَافِزُ إلى ذلك؟" هُناكَ حَافِزٌ مُستقبَليٌّ وحَافِزٌ في الوقتِ الحاضِر. انُظروا إلى النَّصّ. انظُروا إلى الدَّافِعِ المُستقبليّ: "افرَحوا" (في العدد 13). لماذا؟ لأنَّكُم كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ المَسِيح فإنَّكُم ستَشتركونَ في مَجْدِهِ عندَ استِعلانِه. هل فَهِمتُم ذلك؟ لأنَّكُم كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ" فإنَّكُم ستَشتركونَ في مَجْدِه. لِذا، إذا استَمَرَّيتُم في الفَرَح الآن، فإنَّكُم سَتَفرحونَ حَقًّا في المُستقبَل.
والآن، لِنتحدَّث وَحَسْب عن ذلك. فتلكَ العِبارة الَّتي وَرَدَتْ في بِدايةِ العدد 13: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيح" ينبغي أنْ تُفْهَم. فما هو مَعناها؟ إنَّها تَعني [ببساطة]...والآن اسمعوني...إنَّها فِكرة بسيطة جدًّا. فأنتُم تَشتركونَ في آلامِ المسيحِ بالطَّريقةِ التَّالية: لقد تَألَّمَ يسوعُ المسيحُ على أيدي أُناسٍ لأنَّهُ فَعَلَ ما هُوَ صَواب. أليسَ كذلك؟ فهو لم يَفعل شيئًا خاطئًا. فقد كانَ بِلا خطيَّة. فيسوعُ المسيحُ تَألَّمَ لأنَّهُ فَعَلَ ما هُوَ صَواب. ويسوعُ المسيحُ تألَّمَ لأنَّهُ قالَ الحَقَّ. وهذا لا يَعني أنَّنا نَشترِكُ في الآلامِ الفِدائيةِ للمسيح. وهذا لا يَعني أنَّنا نَشتركُ في الآلامِ الكَفَّاريَّة للمسيح. فهذا ليسَ ما يَقولُهُ بُطرس. بل إنَّهُ يَقولُ: أنتَ شَريكٌ في نَفسِ نَوعِ الآلامِ الَّتي احْتَمَلَها المسيح؛ أيِ التَّألُّمِ مِنْ أجلِ فِعْلِ الصَّواب، والتَّألُّم مِنْ أجلِ قَولِ الحَقِّ، والتَّألُّمِ مِن أجلِ الكِرازة بالرِّسالة الصَّحيحة. فأنتَ تَشتركُ في نَفسِ نَوعِ الألم: الألَم مِن أجلِ البِرّ.
لِذا، لا تَستغرِبوا، ولا تُحْبَطُوا، ولا تَيأسوا لأنَّكُم أُعطيتُم امتيازًا: امتيازَ الاشتراكِ في نَفسِ نَوعِ الآلامِ الَّتي اختَبَرَها يَسوع. ويا لَهُ مِنَ امتيازٍ عَظيم! وقد كانَ لَدى بُطرس الكَثيرَ ليقولَهُ عن آلامِ المسيح. فهل تَذكرونَ الأصحاحَ الأوَّلَ والعَدَد 11 إذْ تَحَدَّثَ عن آلامِ المسيح؟ والأصحاحَ الثَّاني والعدد 21 إذْ تَحَدَّثَ عن آلامِ المسيحِ مَرَّة أخرى؟ والأصحاحَ الثَّالِث والعَدد 18 إذْ تَحَدَّثَ عن آلامِ المسيحِ مَرَّة أخرى؟ والأصحاحَ الرَّابعَ والعددَ الأوَّل إذْ تَحَدَّثَ عن آلامِ المسيحِ في الجَسَد؟ فهذه فِكرة رئيسيَّة عندَ بُطرس. وقد دَرَسْنا ذلكَ بِعُمْقٍ شديد. وما يَعنيه هو الآلام الأرضيَّة الَّتي احتَمَلها المَسيحُ على أيدي الخُطاةِ الَّذينَ اضْطَهَدوه. الآلام الأرضيَّة الَّتي احتَمَلها المَسيحُ على أيدي الخُطاةِ الَّذينَ اضْطَهَدوه. لِذا، عندما تَتألَّم بوصفِكَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، فإنَّكَ تَشتَرِكُ في نَفسِ ذلكَ النَّوع مِنَ الآلام عندما تَتألَّم على أيدي خُطاةٍ مُعادينَ، ورَافِضينَ، وهَازِئينَ، وغير لُطفاء. ويجب عليكَ أنْ تَفرَح. فيا لَهُ مِنَ امتياز!
وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ بُولسَ فَهِمَ هذا الأمر. أليسَ كذلك؟ فهل تَذكرونَ ما قالَهُ في نهايةِ رِسالَةِ غَلاطِيَّة والأصحاح السَّادِس؟ فهو يُدلي هُناكَ بِشهادةٍ رائعة إذْ يَقول في العدد 17: "فِي مَا بَعْدُ لاَ يَجْلِبُ أَحَدٌ عَلَيَّ أَتْعَابًا، لأَنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوع". ماذا تَعني يا بولُس؟ أنا أَعني أنَّ النُّدوبَ الَّتي حَصلتُ عليها عندما جَلَدني النَّاسُ، وعندما ضَرَبوني بالعِصِيِّ...كُل تلكَ النُّدوب الَّتي حَصَلْتُ عليها في حياتي هي سِماتُ يَسوعَ المسيح. لماذا؟ لأنَّني حَصَلتُ عليها كُلَّها بِسَبَبِه. فالعالَمُ لا يَستطيعُ بُلوغَهُ. فقد أَبغَضوهُ. وَقد أَبغضوني بِسَبَبِهِ. ولأنَّهُم لا يَستطيعونَ أنْ يَضْرِبوه، فقد ضَربوني. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: هذا هُوَ وِسامُ الشَّرَفِ الَّذي أحمِلُه. وكأنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ ظَهْرِهِ ويقول: "هل تُريدونَ أنْ تَرَوْا وِسامَ الشَّرَفِ الَّذي أَحْمِلُه؟ أنا أَحمِلُ في جَسَدي السِّماتِ الَّتي كانت سَتُعطَى ليسوعَ المسيحَ لو كانَ هُنا. ولكِنَّهُم أعطوني إيَّاها لأنَّني أُسَمِّي اسْمَهُ".
وفي رسالة فيلبِّي، فإنَّ الرَّسولَ نَفسَهُ يُذَكِّرُنا جَميعًا في الأصحاحِ الأوَّلِ والعدد 29 قائلاً: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ"، وأنْ تَختبروا نَفسَ الجِهادَ الَّذي كَانَ بولسُ يَخوضَهُ. فأيُّ مُؤمِنٍ حقيقيٍّ يَعيشُ في عَالَمٍ مُعادٍ بدرجةٍ أو بأخرى لا بُدَّ أنْ يَتألَّم. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ بولسَ قَالَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعدد 10: "لأَعْرِفَ...شَرِكَةَ آلاَمِهِ. فأنا أُريدُ أنْ أَعرِفَ الرَّاحةَ الَّتي سأحصُلُ عليها مِن ذاكَ الَّذي احتَمَلَ كُلَّ شيءٍ سأحتَمِلُهُ أنا. بل إنَّهُ احْتَمَلَهُ أكثرَ مِنِّي". فهو يَرى هُناكَ عَلاقة مَتينة وَصِلَة قويَّة بينَهُ وبينَ آلامِ المسيح. وهو يَقولُ في رسالة كولوسي 1: 24: "الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ". بِعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالة غَلاطيَّة: "لقد أَصابَتْني جُروحٌ كانَ يُقْصَدُ أنْ تُصيبَ المَسيح". ومَرَّةً أُخرى، أُذَكِّرُكُم بهذا الحَقِّ العَظيم. فبولسُ كانَ يَتوقُ إلى أنْ يَحتملَ الضَّرَباتِ مِنْ أجلِ المسيحِ الَّذي احتْمَلَ الضَّرَباتِ لأجلِهِ.
لِذا، عندما نَتألَّم، فإنَّنا نَشترِكُ معَ المسيح؛ لا في آلامِهِ الكَفَّاريَّة، بل في نَفسِ النَّوعِ مِنَ الألم وَهُوَ الألمُ مِن أجلِ البِرّ. وفوقَ ذلك فإنَّنا نَتَعَرَّضُ حَرفيًّا لِضَرَباتٍ مُوَجَّهة إليهِ هُوَ في الأصل. فالخُطاةُ يُبغِضونَهُ. وَهُمْ يُبغِضونَنا نَحنُ وَحَسْب لأنَّهُم يُبغِضونَهُ. ونحنُ نَتعَرَّضُ لِضَرَباتٍ يَرغَبونَ في تَوجيهِها إليه.
وقد تَظُنُّونَ أنَّ الأمرَ سيكونُ مُختلِفًا لو عادَ يَسوعُ إلى العالَمِ اليوم. ولكِنَّهُم سيَفعلونَ بِهِ نَفسَ ما فَعلوهُ بِهِ في المَرَّةِ الأولى. وإنْ أردتُم دَليلاً على ذلك، انظُروا إلى كيفَ يُعامِلُ العَالَمُ المَسيحيِّين.
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ (إذْ نَعودُ إلى آيَتِنا)...ويجب علينا أنْ نَفهمَ كُلَّ حَقٍّ عَظيمٍ هُنا قَدْرَ استطاعَتِنا. فهو يَقول: "افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِين". واستعلانُ مَجْدِهِ هُوَ ما تُسَمِّيهِ الآيةُ لُوقا 17: 30 "اليَوْم الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَان". وَهُوَ يُشيرُ إلى مَجيئِهِ الثَّاني. وبالمُناسبة، إليكُم هذه المُلاحظة اللَّاهوتيَّة الصَّغيرة: إنَّ يَسوعَ مُمَجَّدٌ الآن. لا تُفَوِّتوا ذلك. فهو الآنَ مُمَجَّدٌ، ولكِنَّ مَجْدَهُ لم يُستعَلن بعد على الأرض. هل هذا مَفهوم؟ فهو مُمَجَّدٌ. وعندما قالَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" فإنَّ ذلكَ المَجد أُعطِيَ لَهُ عندما صَعِدَ وعَادَ للجُلوسِ عَن يَمينِ الآب. فهو مُمَجَّدٌ، ولكِنَّ مَجدَهُ لم يُستَعلَن بعد. فهو لم يُعْلَنْ بعد حَتَّى يَراهُ البَشَر. ولكِنْ عندَ استعلانِ مَجْدِه، عندما يأتي بِمَجدٍ عَظيم كما جاءَ في إنجيل مَتَّى 24: 29 و 30 وإنجيل مَتَّى 25 (أعتقد في العَدَد 31)، فإنَّ كِلا هَذينِ المَقْطَعَيْن يَتَحَدَّثان عن أنَّ المسيحَ سَيَعودُ بِمَجدٍ عَظيم. وفي ذلك اليوم، عندما يَعودُ ثانيةً عندَ استِعلانِ مَجدِهِ، فإنَّهُ يَقول: "يُمكِنُكُم أنْ تَفْرَحُوا مُبْتَهِجِين". وقد تَقول: "وما مَعنى ذلك؟" إنَّها كَلِمَة أقوى مِنَ الكلمة الأولى. فعندما يَقولُ: "افرَحوا" فإنَّها الكلمة "كايرو" (chairo)، وهي الكلمة المُعتادَة للفَرح. ولكِنْ عندما يَقولُ "افرَحوا بابتِهاج" فإنَّ المَعنى المَقصودَ هو أنْ تَفرحوا وتَمتَلِئوا بابتهاجٍ غَامِر...أنْ تَبتَهِجُوا حَقًّا. فالمَعنى سيكونُ مُختلفًا في لُغَتِنا إنْ قُلنا: "استمرُّوا في الفَرَح". وإنِ استَمَرَّيتُم في الفَرحِ فإنَّكُم سَتَبلُغونَ النَّشوةَ ذاتَ يومٍ. فهذه هي الفِكرة.
وما الَّذي يَعنيه؟ إنْ كُنتُم أُمَناء في احتمالِ الألمِ والاضطهادِ مِن أجلِ البِرِّ في هذه الحياة، واحتملتُم تلكَ الآلامَ كما لو كانت سِماتِ المسيح، فإنَّكم عندَ مَجيئِهِ ثانيةً سَتَبتَهِجونَ حَقًّا. فسوفَ تَمتلئونَ حَقًّا بِفَرَحٍ غَامِر، وَفَرَحٍ مُتَفَجِّرٍ يَفوقُ أيَّ أفراحٍ أُخرى. والمَعنى الَّذي يَقصِدُهُ بُطرسُ واضحٌ جِدًّا. فإنْ تَألَّمتُم مِن أجلِهِ هُنا، وَفَرِحتُم بامتيازِ شَرِكَةِ آلامِهِ هَذِهِ، وَتَذَكَّرتُم أنَّ المِقدارَ الَّذي تَتَألَّمونَ فيه هُنا سيكونُ المِقدارُ الَّذي سَتَحصُلونَ فيهِ على المَجد عندَ استِعلانِهِ، سَتَعلمونَ حينئذٍ أنَّهُ يُمكِنُكُم أنْ تَفرحوا الآنَ لأنَّكُم سَتَبتَهِجونَ ابتِهاجًا عَظيمًا آنذاك. فَمُكافأتُكُم الأبديَّة سَتَجعَلُكُم تَفرحونَ فَرَحًا أبديًّا.
والآن، لو كانَ لَدينا الوقتُ الكافي لَتَعَمَّقنا في الدِّراسة، ولكِنِ اسمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُم الفِكرة: إنَّ مُكافأتَكُم الأبديَّة سَتَعكِس مُباشَرةً آلامَكُم. إنَّ مُكافأتَكُم الأبديَّة سَتَعكِس مُباشَرةً آلامَكُم. فَآلامُكُم سَتَعكِسُ إلى حَدٍّ ما أَمانَتَكُم...أمانَتَكُم. وما أعنيه هو أنَّكَ إذا كُنتَ مُؤمِنًا في الخَفاءِ فإنَّكَ لن تَتألَّمَ كثيرًا. أمَّا إنْ كُنتَ شُجاعًا، وجَريئًا، وأمينًا، ومُؤمِنًا لا تُخفي إيمانَكَ، فإنَّكَ ستتألَّم. ولكِنَّ مَجدَكَ الأبديَّ سَيَعكِسُ مُكافأةَ اللهِ لَكَ على ذلك.
استَمِعوا إلى كلماتِ يسوعَ في إنجيل لوقا 6: 22: "طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَان". ثُمَّ استَمِعوا إلى الكلماتِ التَّالية: "اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا" [أوِ "اقْفِزوا" كَما يَقولُ النَّصُّ اليُونانِيُّ]. أيْ افْرَحُوا جِدًّا واقفِزوا مِنَ شِدَّةِ الفَرَحِ قائِلين: "لقد اضْطُهِدْتُ! لقدِ اضْطُهِدْتُ!" "فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاء".
هل تَذكرونَ عندما جاءَ يَعقوبُ ويوحنَّا مَعَ أُمِّهِما إلى يسوعَ وقالا: "نُريدُ أنْ نَجلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ اليَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ"؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: "لَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِي [ذلكَ]...لَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِي [ذلكَ] إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي". وقد قالَ أيضًا ما يَلي: "أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الكَأسَ الَّتِــي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا؟" وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ لقد قَصَدَ أنَّ المَجدَ مُرتبطٌ بماذا؟ بالألم. فقد كانت كأسَ الألم. فقد كانَ يَعني في الحقيقة: "إذا كُنتُما تَتوقَّعان أنْ تَتَمَجَّدا في المَلكوتِ الآتي، يجب عليكُما أنْ تَستعِدَّا لاحتمالِ الآلامِ هُنا والآن". فالمجدُ الأبديُّ يَتَوافَقُ مَعَ الآلامِ الزَّمنيَّة. لِذا، يجب علينا أنْ نَفرحَ بسببِ الحَقيقةِ المُستقبليَّة القائلة إنَّنا عندما نَتألَّمُ بسببِ اقتِرانِنا بالرَّبِّ يسوعَ المسيح، وعندما نتألَّمُ على أيدي الخُطاةِ مِن أجلِ البِرّ، فإنَّنا نَحْصُلُ [بِمَعنى مِنَ المَعاني] على مُكافأة أبديَّة سَتَجْلِبُ لنا فَرَحًا أبديًّا. وهذا هو ما جَعَلَ بولسَ يَقول في رسالة رُومية 8: 17 إنَّنا نَتألَّمُ مَعَهُ لكي نَتَمَجَّدَ مَعَهُ، وإنَّ آلامَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالمَجْدِ العَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.
فإنْ تَعَقَّلتَ فإنَّكَ سَتَعيشُ حياتَكَ المسيحيَّة بهذه الطَّريقة. فسوفَ تَعيشُ حياةً مَسيحيَّةً جَريئة، وستَعيشُ حَياةً مَسيحيَّةً شُجاعةً ومُحِبَّة، وستَعيشُ حياةً مَسيحيَّةً في العَلَن، وستَكونُ صَوْتَ الضَّميرِ في العَالَم، وستُنادي باسمِ يسوعَ المسيحِ بشجاعةٍ لأنَّكَ تَعلمَ أنَّهُم إنِ اضطهَدوكَ، وإنْ طَرَدوكَ، وإنْ تَبَرَّأوا مِنْكَ، وإنْ رَفضوكَ، وإنْ استهزأوا بِكَ، فإنَّكَ سَتَكونُ [ببساطة] قدِ اضْطُهِدْتَ مِن أجلِ البِرِّ؛ وَهُوَ أمرٌ حَدَثَ للمسيح. لِذا فإنَّكَ تَقتَرِنُ بِهِ. كذلكَ، سوفَ تَحصُل على ثِقَلِ مَجْدٍ أَبَدِيّ. لِذا، يُمكِنُكَ أنْ تَقْفِزَ فَرَحًا في وَسْطِ الاضطهادِ لأنَّهُ يُمكِنُكَ أنْ تَتوقَّعَ ذلكَ الفَرَحَ الأبديَّ الَّذي ستَحصُل عليهِ بِنعمةِ الله.
ويا لَهُ مِنْ وَعدٍ رائع! لِذا، افرَحوا. افرَحوا بسببِ الحقيقة المُستقبليَّة للمجدِ الأبديّ. ولكِن هناكَ أيضًا سَبَبًا حاضِرًا للفَرح. انظروا إلى العدد 14. فهذا سَبَبٌ حاضِرٌ للفَرح: "إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ". والآن، مَهلاً مِن فَضلِكُم. ما الَّذي يَعنيه بِالقول: "إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيح"؟ التَّعييرُ باسمِ المسيح يَعني أنْ تُهانُوا لأجلِهِ. وهي كَلِمة استُخدِمَتْ في التَّرجمة السَّبعينيَّة أيضًا للإشارة إلى الإساءاتِ والإهاناتِ الَّتي كانت تُوَجَّهُ إلى اللهِ وإلى شَعبِ اللهِ مِنْ قِبَلِ أشرارِ العَالَم. وهي تُستخدَم أيضًا في العهدِ الجديد للإشارةِ إلى الإهاناتِ والإساءاتِ المُوَجَّهة إلى المسيح، وإلى الأشياءِ الَّتي احتَمَلها على أيدي الخُطاة. لِذا، إنْ أُسيئَتْ مُعامَلَتُكُم، وإنْ عُيِّرْتُم، وإنْ أُهِنْتُم، وإنْ وُبِّختُم، وإنْ عُومِلُتُم مُعامِلة مُجْحِفَة، أو غير لطيفة، أو خَالِيَة مِنَ المَحبَّة، أو غير عادِلَة، افرَحوا...افرَحوا "إنْ عُيِّرتُم باسْمِ المسيح". أَلا تَذَكَّرتُم ذلك؟ فهذه كلمات ينبغي أنْ تَضَعوا خَطًّا تَحتَها: "إنْ عُيِّرتُم باسْمِ المسيح".
والآن، ما الَّذي نَعنيهِ "باسْمِ المَسيح"؟ إنَّها تَعني [ببساطَة]: "مِنْ أجلِ أنَّكُمْ تُمَثِّلونَ كُلَّ ما يَعنيه". فاسمُهُ يُلَخِّصُ كُلَّ صِفاتِه. ولكِن هناكَ ما هو أكثر مِن ذلك هُنا. فاسمُ المسيح يُشيرُ إلى حقيقةِ أنَّ المسيحيِّينَ كانوا يُعلِنونَ دائمًا اسْمَهُ. حسنًا؟ فهو يَعني أنْ تَكونَ المُناداةُ العَلَنِيَّةُ باسمِ المسيحِ هي سَبَبُ تلكَ العَداوة. فالأمرُ لم يَكُن يَقتصِرُ على أنَّهُم كانوا يَحملونَ اسمَ المسيحِ في قُلوبِهم وأذهانِهم، بل أنَّهُم كانوا يُنادونَ باسمِ المسيح. ويُمكِنُنا أنْ نُتَرْجِمَ هذهِ الآية على النَّحوِ التَّالي: "إنْ عُيِّرتُم بسببِ المُناداةِ باسمِ المسيح". فهذه هي الفِكرة هُنا. وَحَتَّى إنَّ الكلمة "اسْم" في ذاتِها صَارَت مُرادفةً للمسيحيَّة. فقد كانَ الوَثَنِيُّونَ يَقولون: "إنَّهُم يَتحدَّثونَ دائمًا عن ذلكَ الاسم...عن ذلكَ الاسم. وَهُمْ يَكْرِزونَ دائمًا بذلكَ الاسم". فإنْ كُنتَ تُنادي بالاسم، وتَقترنُ بالاسم، وتَتحدَّثُ عنهُ، فإنَّكَ سَتُعَيَّرُ وتُوَبَّخُ وَتُهان. وفي سِفْر أعمال الرُّسُل 5: 41 نَقرأُ أنَّ المَسيحيِّينَ "ذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ [أيْ مِنْ أمامِ السِّنهدريم] لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ". فقد احتمَلوا الإهانَةَ مِنْ أجلِ اسمِهِ. ولم تَكُن بحاجة حَتَّى إلى النُّطْقِ بذلكَ الاسم. فقد كانَ الجَميعُ يَعلَمُ ما هو ذلكَ الاسم. وكانَ أولئكَ الوَثَنِيِّينَ يَتحاشَوْنَ حَتَّى النُّطْقَ بذلكَ الاسم. ثُمَّ إنَّ بُطرسَ [إنْ كُنتُم تَذكرون] يَقولُ للمؤمِنين: "لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ". وهذا هو السَّببُ في أنَّنا نَكْرِزُ بذلكَ الاسم.
وعندما كانَ الرَّسولُ بولُسُ في طَريقِهِ إلى دِمَشق، وَظَهَرَ لَهُ اللهُ، قالَ الرَّبُّ عَنْهُ: "لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ". فهو سَيَحمِلُ اسمي ويُعلِنُهُ أمامَ الأُمَم. وسوفَ "أُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي". وفي سِفْر أعمالِ الرُّسُل 15: 26 نَقرأُ: "رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا". فقد خَاطَرا بِحَياتِهِما لأجلِ ذلكَ الاسم.
لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "انظُروا! إنْ عُيِّرتُم لأنَّكُم تُذيعونَ اسمَ المسيح فَطُوبَى لَكُم...طُوبَى لَكُم". وما الَّذي تَعنيهِ بِـ "طُوبَى لَكُم"؟ ما مَعنى ذلك؟ هل ذلكَ مُجَرَّد شُعور؟ لا...لا، إنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ شُعورٍ وَحَسْب. بل يُمكِنُكُم أنْ تُترجموا هذه العِبارة على النَّحوِ التَّالي: "يا للفائِدة الَّتي ستَجنُونَها!" يا للفائِدة الَّتي ستَجنُونَها! لِماذا؟ أوَّلاً (كَما رأينا للتَّوّ): لأنَّكُم ستحصُلونَ على ثِقَلِ مَجْدٍ أَبَدِيّ، ولأنَّكم ستَحصلونَ على امتيازِ الاشتراكِ في آلامِ المسيح. ولكنَّهُ يَذكُرُ سَببًا آخر. انظروا إلى العدد 14 (وَكَمْ أُحِبُّ هذا العَدد!): "فَطُوبَى لَكُمْ لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ". فهو لا يَقولُ: "فَطُوبى لَكُم" وَحَسْب. هل تَقولُ وَحَسْب: "يا لَها مِنْ بَرَكَة عَظيمة"؟ لا، إنَّها ليست بَرَكَة عَامَّة وَحَسْب، بل إليكُم البَرَكة: أنتُم مُبارَكونَ لأنَّ رُوحَ المجدِ واللهِ يَحِلُّ عَليكُم. فالبَرَكة هي ليست سَعادَة ذاتِيَّة، بل هي حُضورٌ مَوضوعِيٌّ. هل استَوعبتُم ذلك؟ فهي ليست سَعادة ذاتِيَّة، بل هي الحُضورُ والقُوَّةُ المَوضوعِيَّانِ للرُّوحِ القُدُس. فأنتُم مُطَوَّبونَ في وَسْطِ الآلامِ الَّتي تَحتملونَها مِنْ أجلِ البِرِّ لأنَّ رُوحَ اللهِ يَحِلُّ عليكُم. ويا لها مِن جُملة رائعة!
فَروحُ اللهِ [قَبلَ أيِّ شيءٍ آخر] يُسَمَّى "رُوح المَجد". وما مَعنى ذلك؟ يُمكنُني أنْ أَقولَ ذلكَ بطريقة أخرى: الرُّوحُ المُمَجَّد، أو: الرُّوحُ المَجيدُ، أو: الرُّوحُ الَّذي يَتَّصِفُ بالمَجْدِ كَصِفَة جَوهريَّة. وهل تعتقدونَ أنَّهُم كانوا يَعلمونَ مَعنى ذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. فقد كانوا يَعلمونَ مَعنى ذلك. فقد كانوا يَعرفونَ كُلَّ شيءٍ عن مَجْدِ شَكينة الله. وقد كانوا يَعرفونَ أنَّ الكائنَ الوحيدَ الَّذي يَتَّصِفُ بالمَجد هو الله. وفي العهدِ القديم، كانَ مَجدُ اللهِ مُمَثَّلاً بِنُورِ الشَّكينَة. إنَّهُ مَجْدُ الشَّكينة الَّذي ظَهَرَ في البُستان. وقد كانَ مَجْدُ الشَّكينة هو ذلكَ الضِّياء المُنير الَّذي أَشارَ إلى حُضورِ اللهِ، وذلكَ الضِّياء الَّذي رآهُ مُوسَى على الجَبَل، وذلك الضِّياء الَّذي جاءَ وَحَلَّ على خَيمةِ الاجتماع وَتَحَرَّكَ باتِّجاهِ السَّماءِ لكي يَقودَ بَني إسرائيل. وهو ذلكَ الضِّياء الَّذي حَلَّ على الهَيكل. فقد كانتِ الشَّكينة هي حُضورُ الله. وعندما يَقولُ بُطرس: "إنْ تَألَّمتُم فإنَّ رُوحَ المَجدِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ"، فإنَّهُ يَعني: "أنتُم تَتَمَتَّعونَ بِحُضورِ الله". وَهُوَ يُعَبِّرُ عن ذلكَ قائلاً: "لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ". فأنتَ تَصيرُ مِثلَ مُوسَى الَّذي صَارَ وَجْهُهُ لامِعًا بِمَجْدِ الله. وأنتَ تَصيرُ مِثلَ خَيمةِ الاجتماعِ الَّتي صارت مُمتلئةً جدًّا بمجدِ اللهِ حَتَّى إنَّ أحدًا لم يتمكَّن حَتَّى مِنَ الاقترابِ مِنها. وأنتَ تَصيرُ مِثلَ الهيكلِ عندما كانَ مَجدُ اللهِ ما زَالَ يَحِلُّ على قُدْسِ الأقداس. إنَّهُ حُضورُ اللهِ.
وهذه جُملة عظيمة. والمقصودُ بذلكَ هو أنَّهُ عندما تَتألَّمونَ، فإنَّ حُضورَ اللهِ يَحِلُّ عليكُم. وَحُضورُ اللهِ يَحِلُّ في هَيئةِ رُوحِهِ، الرُّوح الَّذي هو مَجْدٌ بِطَبيعَتِه الجَوهريَّة، وَحَتَّى الرُّوح الَّذي هو الله. ويا لَهُ مِنْ حَقٍّ عَظيم جدًّا! فَروحُ المَجدِ هُوَ رُوحُ الله. فَكما أنَّ المَجْدَ حَلَّ في خَيمةِ الاجتماعِ والهَيكلِ في القَديم، فإنَّ مَجْدَ الشَّكينة، أيِ الرُّوحَ القُدُسَ، يَحِلُّ بِمَجْدٍ وقوَّة على المُؤمِنينَ المُضطَهَدين.
والآن، ما مَعنى الكلمة "يَحِلّ"؟ فما الَّذي تُشيرُ إليه؟ ببساطة: "يُنْعِش مِنْ خِلالِ الاستقرارِ عليكُم". فَهُوَ يَحِلُّ عليكم بِمَعنَى أنَّهُ يُنْعِشُكُم بأنْ يَصيرَ هُوَ القُوَّة المُهَيمِنَة في وَسْطِ آلامِكُم. ورُبَّما كانَ أفضلُ مَثَلٍ تَوضيحيٍّ على ذلك هو أنْ تَفتحوا قليلاً على سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح السَّادِس، وأنْ تَنظُروا إلى شَهادة خَادِم الرَّبِّ الرَّائع الَّذي كانَ يُدعى "استفانوس". فنحنُ نَقرأُ في العدد 8 مِنَ الأصحاحِ السَّادس أنَّهُ كانَ "مَمْلُوًّا إِيمَانًا وَقُوَّةً" وأنَّهُ "كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْب". وَمِنَ الواضحِ أنَّهُ كانَ يَمْلِكُ قُوَّةَ رُوحِ اللهِ. وعندما اضْطُهِدَ في نِهايةِ الأصحاحِ السَّادس، اتَّهَموهُ بالتَّجديف. وفي العدد 12 خَطَفوهُ، وَأَقَامُوا شُهُودًا كَذَبَةً ضِدَّهُ. ونَقرأُ في العدد 15: "فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْمَعِ، وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاَكٍ". وأنا أعتقدُ أنَّ رُوحَ المَجْدِ [الَّذي هُوَ رُوحَ اللهِ] حَلَّ عليه.
وما هو وَجْهُ المَلاك؟ وما مَعنى ذلك؟ لا أعتقد أنَّ هذا يَعني "نُورًا ساطِعًا"، بل أعتقد أنَّهُ يُشيرُ إلى السَّلامِ، والسَّكينة، والهُدوء، والفَرَح الوَديع الَّذي لم يتأثَّر قَطّ بِكُلِّ العَداوَة. ثُمَّ في الأصحاحِ السَّابِعِ والعَدد 54، بعدَ أنْ كَلَّمَهُم، حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَابتدأوا [حَرْفِيًّا] في صَرِّ أَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ (في العدد 54). ولكِنَّهُ كانَ مُمتلئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُس. لِذا فقد شَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. فقد انْفَصَلَ حَرفيًّا عنِ الأرض. فقد كَانَ يَرَى مَجْدَ اللهِ، ويَرى يَسوعَ المسيح. فقد كانَ وَجْهُهُ شَاخِصًا فقط إلى ذلكَ المَشهدِ الفائِق. أمَّا هُمْ فكانوا يَصِرُّونَ بأسنانِهم عليه في غَضَبٍ وَغَيْظ. وقد قال: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ". وهل تَعلمونَ ما الَّذي حَدَث؟ لقد حَلَّ رُوحُ المَجدِ، وحَلَّتِ النِّعمةُ عليه. فقد حَلَّ رُوحُ اللهِ عليهِ وَاستَولى عليه حَرفيًّا. فقدِ استَولى على عَقلِهِ، وسَادَ على حَياتِهِ حَتَّى إنَّهُ رأى مِنْ خِلالِ تلكَ العَداوَة مَجْدَ الله. حينئذٍ، هَجَموا عليهِ وَراحُوا يَصيحونَ بِصوتٍ عَظيمٍ وَيَسُدُّونَ آذانَهُم كي لا يَسمَعوا مَا يَقول. وقد أَخْرَجُوهُ خَارِجَ المَدِينَة وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي".
وأنا أعتقِدُ أنَّهُ كانَ غائبًا تمامًا عَنْ كُلِّ مَا يَجري مِن حَولِه. فقد رأى السَّماءَ مَفتوحَةً. وقد رَأى الرَّبَّ يسوعَ. وقد طَلَبَ مِنَ الرَّبِّ أنْ يَقبَلَ رُوحَهُ مِنْ دُونِ أنْ يَشعُرَ بِوَقْعِ الحِجارةِ الَّتي كانَتْ تَسْحَقُ حَياتَهُ الأرضيَّة. وقد صَرَخَ بِصوتٍ عَظيمٍ قائلاً: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّة". وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ.
ففي وَسْطِ أصعبِ الاضطهادِ والألم، يُعطي اللهُ مِقدارًا خاصًّا مِنْ حُضورِ رُوحِهِ القُدُّوس. وَهُوَ يَحِلُّ على المُؤمِن. وهذا يَعني أنَّهُ يَسودُ تَمامًا. والذِّهْنُ يَسْمو.
وإنْ قَرأتُم كِتابَ "فوكس" (Foxe) بِعُنوان: "سِجِلّ الشُّهداء" (Book of Martyrs)، سَتَطرحونَ على أنفُسِكم السُّؤالَ التَّالي مِئةَ مَرَّة: "كيفَ تَمَكَّنَ هؤلاءِ المَسيحيِّونَ الَّذينَ استُشهِدوا لأجلِ إيمانِهم مِنَ احتمالِ الألمِ الجسديّ؟ كيفَ تَمَكَّنُوا مِن ذلك؟ وكيفَ كَانوا يُرَنِّمونَ ويُسَبِّحون؟ كيفَ كانوا يُسَبِّحونَ اللهَ؟ وكيفَ تَمَكَّنوا مِنْ أنْ يَغفِروا لِمُعَذِّبيهِم؟ أوَّلا، لأنَّهُم رَأَوْا غِنى الاشتراكِ في شَرِكةِ آلامِ المسيح. ثانيًا، لأنَّهُم كَانوا يَعْلَمونَ أنَّ آلامَهُم الحاضِرَة سَتَؤولُ إلى ثِقَلِ مَجْدٍ أبديّ. ثالثًا، لأنَّ رُوحَ المَجدِ (الَّذي هو رُوح الله) حَلَّ عليهم وَرَفَعَهُم فوقَ البُعْدِ الجسديِّ. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ عَنِ الألَم: أوَّلاً، تَوَقَّعوه. ثانيًا، افرَحوا فيه. وإنْ أردتُم أنْ تَعرِفوا النُّقطتين الثَّالثة والرَّابعة، عُودوا بعدَ ثلاثَة أسابيع مِن هذا المساء. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
مِنَ المُنعِش جِدًّا، يا رَبّ، أنْ نَشترِكَ في كَلِمَتِكَ في هذا المساء، وأنْ نُرَنِّمَ هذهِ التَّرانيمَ البسيطةَ والعَميقةَ الَّتي تُعَبِّر عن إيمانِنا. وَمِنَ المُنعِشِ جِدًّا أنْ نَكونَ بِرفقةِ أَحِبَّائِنا فيما يَمْضي العَالَمُ سَريعًا. وَمِنَ المُنعِشِ جِدًّا أنْ نُرَحِّبَ بالإخوةِ والأخواتِ الجُدُد في العائلة إذْ إنَّهُم يَخْرُجونَ مِنْ خِلالِ مِياهِ المَعموديَّة لِيَشهدوا عن نِعمَتِكَ العَظيمة. ونحنُ مُنتَعِشونَ، يا رَبّ، ونَعلمُ أنَّ الوَعدَ لنا بأنَّهُ أيًّا كانَتِ العَداوةُ الَّتي قد يُظْهِرُها هذا العالَمُ لَنا، إنْ تَألَّمنا مِنْ أجلِ البِرِّ يُمكِننا أنْ نَفرحَ لأنَّكَ أعطيتَنا الامتيازَ بأنْ نَشتركَ في الآلامِ الَّتي تَستهدِفُكَ أنت. فهي نفسُ الآلامِ الَّتي احْتَمَلْتَها أنتَ، التَّألُّمُ مِن أجلِ البِرّ، لأنَّنا نَنالُ ثِقَلَ مَجْدٍ أبديًّا، ولأنَّنا نَختَبِرُ حُضورَ رُوحِ اللهِ الَّذي يَحِلُّ علينا ويَرفَعُنا لكي يَجْعَلَنا نَسْمو فوقَ ما يَفعَلُهُ العالَمُ بِنا. نَشكُرُكَ لأجلِ ذلكَ باسمِ يَسوعَ الحَبيب. آمين!

Este artículo también está disponible y se vende como un folleto.
Esta serie de sermones incluye los siguientes mensajes:
Por favor, contacte a la casa Editorial para obtener copias de este recurso.
Información de la Editorial